ابن ميثم البحراني
190
شرح نهج البلاغة
في غيره مدح كما قال أبو الطيّب . ثقال إذا لائوا خفاف إذا دعوا * قليل إذا عدّوا كثير إذا شدّوا فبالحريّ أن كان هذا الوصف ذمّا كما قال عويف القوافي . ألستم أقلّ الناس عند لوائهم * وأكثرهم عند الذبيحة والقدر وقوله : وإنّي لعالم إلى قوله : أودكم . أراد أنّه لا يصلحهم إلَّا السياسة بالقتل ونحوه كما فعل الحجّاج حين أرسل المهلبّ إلى الخوارج . روى أنّه نادى في الكوفة من تخلَّف عن المهلبّ بعد ثلاث فقد أحلّ دمه ، وقتل جماعة فخرج الناس إلى المهلَّب يهرعون ، وكما يفعله كثير من الملوك . وقوله : ولكنّي لا أري إصلاحكم بإفساد نفسي : أي لمّا لم يكن ليستحلّ من دماء أصحابه ما يستحلّ ملوك الدنيا من رعيّتهم إذا أراد وإثبات ملكهم ولو بفساد دينهم لا جرم لم ير إصلاحهم بالقتل إذ كان إصلاحهم بذلك سببا لفساد نفسه بلزوم آثامهم لها . ولمّا كان من الواجب في الحكمة أن يكون إصلاح الإنسان للغير فرعا على إصلاح نفسه أوّلا لم يتصوّر من مثله عليه السّلام أن يفعل فعلا يستلزم فساد نفسه وإن اشتمل على وجه من المصلحة . فإن قلت : الجهاد بين يدي الإمام العادل واجب وله أن يحملهم عليه . فلم لا يستجيز قتلهم . قلت : الجواب من وجهين : أحدهما : أنّه ليس كلّ واجب يجب في تركه القتل كالحجّ . الثاني : لعلَّه عليه السّلام لو شرع في عقوبتهم بالقتل على ترك الجهاد معه لتفرّقوا عنه إلى خصمه أو سلَّموه إليه واتّفقوا على قتله . وكلّ هذه مفاسد أعظم من تقاعدهم عن دعوته لهم في بعض الأوقات . وقوله : أضرع اللَّه . إلى آخره . دعا عليهم بالذلّ وهلاك الحظَّ ، ثمّ نبّهم على علَّة استحقاقهم لدعائه وهى الجهل ، ثمّ ما ينشأ عنه من ظلم أنفسهم . أمّا الجهل فعدم معرفتهم للحقّ كمعرفتهم الباطل ، وأراد به ما يلزمهم من أوامر اللَّه ، وأراد بمعرفتهم الباطل معرفتهم بأحوال الدنيا وباطلها